كان يومًا رتيبًا في المكتب منذ ما يقارب الثلاثة أعوام؛ أقرأ ما وصلني من مقالات في ملل وأُعَدِّل الواحد تلو الآخر في حالة من عدم الاكتراث. جاءتني رسالة على “فيس بوك”، ففتحتها هي أيضًا دون كثير من الاهتمام. وجدتها من سندس، تشاركنا فيها اكتشافًا موسيقيًا جديدًا… لا شيء خارج عن المألوف. ولكني شغّلت الفيديو… وإذا بشاب يناجي حبيبته التي لا تنتمي لدينه ولا ينتمي لدينها، التي وبخته أمها حينما وجدته في فراشها، والتي وعدته بأن تتزوجه على الرغم من كل ذلك – “بلا فلوس وبلا بيت… بلا ملايين، بلا فساتين” – ثم تَرَكَته
وشعرت بشيء ما كان جامدًا بداخلي، يترك سباته الطويل ويتحرك
بصباح قاهري جميل، راقبت فيه انسياب زرقة السماء مع أشعة الشمس المنعكسة على مياه النيل أثناء عبوري كوبري أكتوبر بسلاسة مستحيلة إلا في تلك الساعات المبكرة من اليوم، قابلتهم أنا ودجوي في بارٍ صغير خافت الإضاءة بفندق “فلامنكو” في الزمالك. كانوا سعداءً، أحرارًا، متناغمين، يشعون عاطفةً وحماسًا… كأغانيهم. وتحدثوا عن مباني القاهرة وعن الحرب الأهلية وعن الرقابة المجتمعية وعن الشيخ ياسين التهامي وعن الطائفية والعلمانية، وكم أنعشني أن أبدأ يومي بهم… فوثبت روحي إلى الحياة في ثوان وامتص عقلي كلامهم في نهم. وابتسمت في صمت حينما ضحكوا وقالوا أنهم في الأغلب سيموتون فقراءً بسبب الموسيقى، ولكني وددت لو أخبرهم أن في موسيقاهم تلك ثراءً لا يجلبه مال
تلك الليلة، في حديقة خضراء رحبة تطل على قلب القاهرة القديمة، وبالتحديد في مسرح “الجنينة”، سافرت إلى بيروت. بيروت مدينة ذات وجوه وجوانب لا تحصى… بيروت قاتمة، متوترة، يمزقها التعصب في “عبوة”، بيروت تلعن الفقر والغلاء بروح ساخرة في “إمبمبليلح”، بينما بيروت التي تأخذني إليها “رقصة ليلى” حُرّة، منطلقة، وتتفجر فيها الألوان. وفي شارع صغير في إمبابة في نفس الليلة، احترقت كنيسة، وبدأت حقبة من الظلام لم أرَ لها نهاية بعد… ولكن لدقائق معدودات، تمايلنا مع نسائم مايو ولحن “جوريلاز” في نسخته الأدفأ والأكثر حميمية، واخترنا أن نصدّق أن “غدًا يومٌ أفضَلْ”. لا، لم نعد نصدّق بالضرورة، ولكن لازلنا نحاول
الصفارة والبيانو في “شم الياسمين” يملآنني بحنين إلى أشياء أحيانًا أعرفها وأحيانًا أجهلها. فاشتقت ذات مرة وأنا أسمعها في يوم اختلت فيه الوحدة بي إلى كوب من النعناع الساخن أشربه مع شخص يحبني ثم أغفو في نومٍ عميق. أما تلك الأيام، فتذكرني بصديق كان عنصرًا أساسيًا في أيامي، مثله كمثل الموسيقى والكلمات، ولكنه الآن صار بعيدًا، لا يسعني أن أراه ولا أن أكلمه… ووجدت بين أوراقي القديمة صورة كان قد رسمها لي، وكتب في الركن الأعلى من الصفحة: “اتذكر تذكرني”
متعة حسية فريدة أشعر بها مع ذلك المقطع الصغير من “بـ أتونّس بيك” - إضافة عشوائية مضبوطة “بالملّي”، جمال يتفجر من بطن القهر والغضب الذي يملأ “ع الحاجز” – متعة يستجيب لها كل عصب في جسدي
كنت في برشلونة عند صدور المانيفستو الثاني. لم يكن قد مر يومان على تلك الواقعة الكئيبة بالقاهرة، حين أخبرته أني أحبه وأخبرني هو أنه لا يكن لي نفس المشاعر: كنا في الميدان في ليلة حارة لم تخل من أمل من ليالي اعتصام يوليو المشؤوم… بحلول منتصف الليل أقلني إلى منزلي، وبمجرد أن تركت السيارة أخرجت تليفوني وبحت بسرّي. انكسر جزء صغير بداخلي، وسافرت في اليوم التالي. كنت أتجول في أرجاء المدينة ذات المعمار العبقري والشوارع المعبقة برائحة البحر، والأنغام الجديدة الآسرة لا تفارق أذني، أكتشف تفاصيلها وأغرم بها… أتابع بعيني أهل برشلونة بجميع أطيافهم من مجلسي على إحدى الدكك الخشبية بـ”لا رامبلا”، وأشعر أني أوفر حظًا منهم جميعًا لأني أتحدث العربية وبإمكاني أن أفهم ذلك الغناء المتقد، وأن أصرخ مع “وجيه” في غضب: “ورصاص ورصاص ورصاص!”… وكلما ذكّرني ذلك الجزء الصغير المكسور بداخلي أني حزينة، ذكّرته أنا بيقين تام أن أغنياتي الخمس بمقدمتهن سيساعدنني على اجتياز تلك الساعة العصيبة التي تطاحنني كل ليلة قبل أن يغلبني النعاس
آخر دقيقة من “حبيبي” موجة مضمونة من النشوة، تجتاحني بصفة منتظمة وبنفس القوة؛ لم تخذلني أبدًا… وأول مرة سمعتها، تسارعت في ذهني مشاهد مُفصّلة من فيلم سأكتبه يومًا ما. وإن لخّصت رعبي مما قد تفعله الحياة بي في جملة، ستكون “كان بدي غيّر العالم، مش عارف كيف العالم غيّرني”… ليست إعلانًا للهزيمة في نظري، بل إنذارًا؛ تحذيرًا. دقّة مفاتيح الآلة الكاتبة في بداية “إم الجاكيت” ترسم في مخيلتي صورة لأميلي في بدلة سوداء وعلى رأسها قبعة سابينا… تعلو الموسيقى وتتصاعد مع تسارع خطواتها على أحد الأرصفة العتيقة بشارع “الجميزة”، حتى تنفجر في سيمفونية من الإعجاز المتكامل. أبحث لدى إنجلز عن الإجابات، وأتناقش مع أحمد الجندي بتعمق في معنى “الحل رومانسي” وأن تكون يساريًا في منظومة غير يسارية وغير متعاطفة، فندخل في جدل واسع حول جدوى تفسير الأغاني والأفلام والقصائد، ويقول لي أني سأخسر الكثير بسبب محاولاتي المستمرة في أن أفهم كل شيء، وأن ما عليّ سوى أن أستمتع… ولكن ماذا عن شهوة الاكتشاف التي تثار في نفسي؟ فلا سلطان لي عليها
يا لذلك الصوت الأجش وهو يقطر شجنًا أو يفيض تمردًا، يحدثني عن أنواع شتى من الولع والهوى؛ يتحدى مجتمعًا اعتاد التقيُّد واحترف التقييد، يثور على تقاليدٍ بالية حفرت للموسيقى العربية خطًا واحدًا أبت أن يحيد عنه أحد. وتلك الـ”كمنجة” التي تصاحبه فيضانٌ من الإلهام… تبهرني مرونتها، فتؤلمني حينًا وتشعلني حينًا وتقبضني حينًا وتغمرني بنفس اللذة الغامضة دائمًا
أعبد كل ما يشعل شغفًا بهذه الشراسة بداخلي. في عالمي، تلك ليست مجرد موسيقى. هي معجزة صغيرة، يحدثني من خلالها الإله، يجيبني بها كل مرة يهزمني فيها ضعفي وأعاتبه… يطمئنني. لا يزال على الأرض سِحْر، ولا تزال بنفسي مساحة للانجراف معه
موعدنا مع قدوم الصيف، في ذروته… نشرب القمر ويروينا نوره








